المقدمة: عروس الأسماء الحسنى
هل تعلم أن هناك سورة كاملة في القرآن سُميت باسم من أسماء الله الحسنى؟ إنها سورة "الرحمن". هذا الاسم ليس مجرد صفة، بل هو "علم" على الذات الإلهية كالاسم الأعظم "الله". لذلك قال تعالى: ((الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى))، ليعلن للكون أن السيطرة والهيمنة على العرش مبنية على "الرحمة" لا على القهر والجبروت. "الرحمن" هو الاسم الذي استعاذت به مريم عليها السلام حين خافت: ((إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ)). هو الاسم الذي يطمئن الخائف، ويشبع الجائع، ويسقي الظمآن. في هذا المقال، سنبحر في محيط "الرحمن" لنفهم الفرق الدقيق بينه وبين "الرحيم"، ولماذا اختص الله نفسه بهذا الاسم دون خلقه.
أولاً: المعنى اللغوي (سر الامتلاء)
"الرحمن" في اللغة العربية على وزن "فَعْلان". وهذا الوزن يدل في لغة العرب على "الامتلاء والكثرة والسعة".
- مثل: (غضبان) أي ممتلئ غضباً، (سكران) أي ممتلئ سكراً، (ريّان) أي ممتلئ ماءً.
- إذن: (رحمن) تعني: الممتلئ رحمةً، الذي فاضت رحمته حتى وسعت كل شيء.
إنه اسم يدل على "سعة الرحمة" وشمولها، فهي رحمة لا حدود لها، تغطي الكون بأسره.
ثانياً: خصائص اسم "الرحمن" (الاسم الحصري)
يتميز هذا الاسم بميزتين لا توجدان في غيره (ما عدا لفظ الجلالة "الله"):
1. شمول الرحمة (للمؤمن والكافر):
رحمة "الرحمن" تشمل الصالح والطالح، المؤمن والكافر، الإنسان والحيوان والحجر.
- انظر إلى الكافر: من الذي خلقه؟ من الذي يرزقه الطعام والماء وهو يسبه؟ من الذي يعافيه في بدنه؟ إنه "الرحمن". رحمته في الدنيا وسعت الجميع بلا استثناء.
- انظر إلى الوحوش: من الذي علم الدابة أن ترفع حافرها عن وليدها خشية أن تصيبه؟ إنه أثر من آثار "الرحمن".
2. تحريم التسمية به للبشر:
لا يجوز شرعاً ولا لغةً أن يسمى إنسان بـ "الرحمن". يمكنك أن تسمي (رحيم، كريم، عزيز)، لكن "الرحمن" خاص بالله وحده.
- تاريخياً: حاول "مسيلمة الكذاب" أن يسمي نفسه "رحمن اليمامة"، ففضحه الله، واقترن اسمه بلقب "الكذاب" إلى يوم الدين، ولم يقل أحد أبداً "الرحمن مسيلمة"، بل بقيت "الرحمن" لله وحده.
ثالثاً: الفرق بين "الرحمن" و "الرحيم"
قد يسأل سائل: لماذا نكرر (الرحمن الرحيم)؟ أليس المعنى واحداً؟
الجواب: لا، هناك فرق دقيق جداً:
- "الرحمن": صفة ذاتية لله (تدل على ذاته الموصوفة بالرحمة الواسعة). تتعلق بجميع المخلوقات في الدنيا.
- "الرحيم": صفة فعلية (تدل على إيصال الرحمة). تتعلق بالمؤمنين خاصة في الآخرة ((وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا)).
فالرحمن هو الذي خلقك ورزقك (سواء كنت مؤمناً أو كافراً)، والرحيم هو الذي هداك للإسلام وسيغفر لك يوم القيامة (خاصة للمؤمنين).
رابعاً: مظاهر رحمة "الرحمن" في الكون
إذا أردت أن ترى "الرحمن"، فانظر حولك:
1. تسخير الكون: الشمس تشرق كل يوم بدقة لتدفئك، والأرض ممهدة لتمشي عليها، والهواء متوفر مجاناً لتتنفسه. هذا تدبير "الرحمن".
2. الجسد البشري: انظر كيف تلتئم جروحك وحدها، كيف يحميك جهازك المناعي من فيروسات لا تراها، كيف ينبض قلبك وأنت نائم.
3. تأخير العقوبة: يعصي العباد ربهم ليلاً ونهاراً، ومع ذلك يطعمهم ويسقيهم ولا يخسف بهم الأرض فوراً. هذا حلم "الرحمن" الذي يمهل ولا يهمل.
خامساً: حظ العبد من اسم "الرحمن" (كيف تعيش به؟)
1. الأمل وعدم اليأس:
حين تعلم أن ربك هو "الرحمن" الذي وسعت رحمته كل شيء، كيف تيأس؟ هل ذنبك أكبر أم رحمة الرحمن؟ ((وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ)). ذنبك "شيء"، إذن تشمله الرحمة.
2. التعرف على النعم:
كل ما بك من نعمة فمن الله. اجلس مع نفسك وتأمل النعم "العامة" التي تشترك فيها مع الناس (البصر، السمع، العقل). هذه هدايا "الرحمن". اشكره عليها لتدوم.
3. التواضع للحق:
قال تعالى عن الكفار: ((وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ؟)). لا تكن مثلهم. إذا ذكر "الرحمن"، اخضع وتواضع، واعلم أنك غارق في نعمه من رأسك لأخمص قدميك.
سادساً: دعاء باسم "الرحمن"
"يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، يا من وسعت كل شيء رحمة وعلمًا، يا من تطعم الكافر الذي يعصيك، فكيف تفعل بالمؤمن الذي يرجوك؟ نسألك باسمك الرحمن أن ترحم ضعفنا، وتجبر كسرنا، وتغني فقرنا. اللهم كما بسطت يدك بالرزق لجميع خلقك، ابسط لنا من رحماتك ما يغنينا عن رحمة من سواك. يا رحمن، اجعلنا من عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً".
خاتمة
الكون كله ينطق بـ "الرحمن". صوت المطر، ضحكة الطفل، شفاء المريض، طلوع الفجر.. كلها توقيعات باسم "الرحمن". عش حياتك مطمئناً، فأنت في مملكة أرحم الراحمين، ولن يضيعك الله ما دمت تلجأ إليه.