خديجة بنت خويلد: المرأة التي نصرت الإسلام بمالها وقلبها.. قصة "الحب الخالد" في حياة النبي

03 يناير 2026
Conceptual representation of Khadija bint Khuwaylid comforting Prophet Muhammad during the first revelation.

المقدمة: السكن والسكينة
وراء كل رجل عظيم امرأة؟ لا، في حالة نبينا ﷺ، كانت خديجة هي "الجيش" بأكمله. لم تكن مجرد زوجة، بل كانت الوزير والمستشار والممول والمواسي. هي أول من سجد لله من البشر، وأول من سمع القرآن، وأول من قال "صدقت" حين قال الناس "كذبت". حبها لم يكن قصة رومانسية عابرة، بل كان "رزقاً" سماوياً قال عنه النبي ﷺ: "إني رُزقت حبها". في هذا المقال، سنعيش مع سيدة نساء العالمين، لنعرف كيف استطاعت امرأة واحدة أن تحمل هم الدعوة وتثبت فؤاد النبي في أصعب لحظات الوحي.

قصة الزواج (التاجر الأمين والسيدة الشريفة)
كانت خديجة "تجارية" ذكية، ثرية، وشريفة النسب. استأجرت محمداً (الشاب الصادق الأمين) ليتاجر بمالها في الشام. وحين عاد ومعه ربح وفير، وأخبرها غلامها "ميسرة" عن أخلاقه والغمامة التي تظله، رأت فيه الزوج المناسب رغم فقرها وغناها، ورغم أنها تكبره سناً (في المشهور).
تزوجته، فكانت له نعم الزوجة. أغنته بمالها عن السعي في الأسواق، وفرغت وقته للتأمل في غار حراء. كانت تجهز له "الزاد" ليخلو بربه، ولم تتذمر يوماً من غيابه في الغار، بل كانت تحرسه وترسل من يطمئن عليه. هذا هو "فقه الزوجة الصالحة" التي تفهم رسالة زوجها.

الموقف الخالد (زملوني زملوني)
في تلك الليلة الحاسمة، نزل جبريل لأول مرة في غار حراء. ركض النبي ﷺ إلى بيته يرجف فؤاده، لا يذهب لأمه ولا لعمه، بل لزوجته. دخل يصرخ: "زملوني زملوني! لقد خشيت على نفسي".
هنا ظهرت عظمة خديجة. لم تصرخ، لم تجزع، بل ضمته وقالت كلماتها التي تكتب بماء الذهب، والتي طمأنت روع النبي وثبتت قلبه:
"كلا والله ما يخزيك الله أبداً؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق".
أخذته لابن عمها "ورقة بن نوفل" ليتأكد من النبوة. كانت هي "الطبيب النفسي" و"المثبت الإيماني" في أخطر لحظة في تاريخ البشرية.

التضحية والحصار (سيدة القصور في الصحراء)
حين جهر النبي بالدعوة، وقاطعت قريش بني هاشم وحاصروهم في "شعب أبي طالب" 3 سنوات، تركت خديجة قصرها وراحتها، ودخلت الشعب مع زوجها.
عاشت الجوع والحرمان، وهي السيدة المنعمة، حتى قيل إنها أكلت ورق الشجر من الجوع. أنفقت كل مالها وثروتها الضخمة لتمويل المسلمين وشراء الطعام لهم سراً. خرجت من الحصار وقد تدهورت صحتها تماماً، لكنها لم تمن بمالها لحظة، بل رأته واجباً لدين الله.

بشارات من السماء
من كرامتها عند الله أن جبريل عليه السلام نزل يوماً على النبي ﷺ وقال: "يا رسول الله، هذه خديجة قد أتتك بإناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب (لؤلؤ مجوف)، لا صخب فيه ولا نصب".
الله يرسل سلامه لامرأة! أي مقام هذا؟ وبشرها ببيت "لا صخب فيه ولا نصب" (لا ضجيج ولا تعب)، مكافأة لها لأنها لم ترفع صوتها على النبي (صخب) ولم تتعب النبي (نصب) بل أزالت عنه تعب الحياة.

عام الحزن ووفاء النبي لها
ماتت خديجة بعد الخروج من الحصار بقليل. حزن عليها النبي حزناً شديداً حتى سمي ذلك العام "عام الحزن".
لكن قصتها لم تنتهِ بموتها. ظل النبي وفياً لها طوال حياته:
- كان يذبح الشاة ويقول: "أرسلوا إلى صدائق (صديقات) خديجة".
- قالت عائشة (رضي الله عنها): "ما غرت على أحد من نساء النبي ما غرت على خديجة، وما رأيتها، ولكن كان النبي يكثر ذكرها".
- حين جاءته قلادة خديجة (التي أهدتها لابنتها زينب) لتفدي زوجها الأسير، بكى النبي ورق لها رقة شديدة وتذكر خديجة.

خاتمة: مدرسة خديجة
خديجة ليست مجرد تاريخ، هي "مدرسة" لكل زوجة ولكل داعية. علمتنا أن المرأة يمكن أن تكون الركن الشديد الذي يستند إليه الرجل العظيم. لم تكن خلفه، بل كانت بجانبه، تضحي بالمال والراحة والنفس. رضي الله عن أم المؤمنين الكبرى، وجزانا عنها وعن الإسلام خير الجزاء.