المقدمة: العملاق الذي غير مجرى التاريخ
إذا ذُكر العدل، ذُكر عمر. وإذا ذُكرت القوة في الحق، ذُكر عمر. لم يكن "عمر بن الخطاب" مجرد خليفة، بل كان "مدرسة" تخرج منها القادة والولاة. في الجاهلية كان شديداً غليظاً، فلما لامس الإيمان قلبه، تحول ذلك الجبار إلى "أرحم الناس" بالضعفاء، وأشدهم على الظالمين. هو الذي فرق الله به بين الحق والباطل فلقبه بـ "الفاروق". هو أول من أسس التقويم الهجري، وأول من دوّن الدواوين، وأول من عسّ بالليل ليحرس الرعية بنفسه. في هذا المقال، سنعيش رحلة مع هذا الجبل الأشم، لنرى كيف يمكن للإيمان أن يصنع المعجزات في النفوس.
قصة إسلامه (نقطة التحول)
كان عمر يخرج متوشحاً سيفه يريد قتل محمد ﷺ، لكن دعوة النبي كانت أسبق: "اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك: بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب".
ذهب لبيت أخته فاطمة ليؤدبها على إسلامها، فسمع آيات من "سورة طه". اهتز الجبل، وخضعت الرقبة، وسقط السيف. ذهب للنبي ﷺ ليس لقتله بل ليقول: "أشهد أن لا إله إلا الله". يومها كبّر المسلمون تكبيرة اهتزت لها مكة، ولأول مرة صلوا عند الكعبة علناً. كان إسلامه "عزاً" للمسلمين كما قال ابن مسعود.
مواقف خلدها التاريخ
1. موافقات عمر (العبقرية الإيمانية):
كان عمر يرى الرأي، فينزل القرآن موافقاً له! اقترح على النبي أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت الآية. واقترح الحجاب على نساء النبي، فنزلت آية الحجاب. حتى قال النبي ﷺ: "إن يكن في الأمم قبلكم محدثون (ملهمون)، فإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر".
2. عدل أرهق من بعده:
جاء رسول كسرى ملك الفرس ليرى "ملك المسلمين"، فتخيل قصراً وحراساً. فوجد عمر نائماً تحت شجرة، بلا حرس، وعرقه يقطر على التراب. فقال كلمته الخالدة: "حكمتَ فعدلتَ فأمنتَ فنمتَ يا عمر".
ومن عدله قصته مع "القبطي" الذي سابقه ابن عمرو بن العاص (والي مصر) فسبقه القبطي، فضربه ابن الوالي وقال: "أنا ابن الأكرمين". سافر القبطي للمدينة وشكا لعمر، فاستدعى عمر الوالي وابنه، وأعطى الدرة للقبطي وقال: "اضرب ابن الأكرمين". ثم قال كلمته المدوية: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟".
3. عمر والمسؤولية (لو عثرت بغلة):
كان يبكي في الليل ويقول: "والله لو أن بغلة عثرت في العراق، لخفت أن يسألني الله عنها: لمَ لم تمهد لها الطريق يا عمر؟". هذا ليس خوفاً من بشر، بل يقين بأن "المنصب" تكليف وحمل ثقيل سيسأل عنه يوم القيامة.
4. عام الرمادة (القائد الجائع):
لما أصابت المجاعة المدينة، حرم عمر على نفسه أكل اللحم والسمن حتى يشبع فقراء المسلمين. اسود لونه، وتغير جسمه، وكان بطنه يقرقر من الجوع فيقول له: "قرقر أو لا تقرقر، والله لا تشبع حتى يشبع أطفال المسلمين". هذا هو القائد الحقيقي الذي يجوع قبل شعبه ويشبع بعدهم.
إنجازاته الإدارية (مؤسس الدولة)
عمر لم يكن عابداً فقط، بل كان "رجل دولة" عبقرياً:
- أسس الدواوين (الوزارات) لتنظيم الرواتب والجيوش.
- وضع "التقويم الهجري" الذي نستخدمه لليوم.
- فتح الفتوحات العظمى (القادسية، اليرموك، بيت المقدس). وتسلم مفاتيح القدس بنفسه وكتب لأهلها "العهدة العمرية" التي تدرس في قوانين التسامح الديني.
استشهاده (نهاية الأسد)
كان يتمنى الشهادة ويقول: "اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك". استغرب الناس: كيف شهادة وأنت في المدينة (عاصمة الدولة)؟ لكن الله استجاب له. طعنه "أبو لؤلؤة المجوسي" بخنجر مسموم وهو يصلي الفجر بالناس. وحين علم أن قاتله ليس مسلماً قال: "الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي بيد رجل سجد لله سجدة يحاجني بها يوم القيامة".
خاتمة: وحشتنا يا عمر!
رحم الله عمر، ملأ الأرض عدلاً، وترك لنا سيرة نفخر بها أمام الأمم. لم يورث لأولاده ديناراً ولا درهماً، بل ورث لهم ولنا "عزة الإسلام". نحن اليوم أحوج ما نكون لقراءة سيرته، لنتعلم أن الحق قوي، وأن العدل هو أساس الملك، وأن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين.